محمد هادي معرفة

156

التمهيد في علوم القرآن

وذلك لأنّ لفظ الباء شديد مجتمع ، ولا يفضي إلى هذه الشدّة إلّا من اللام الشديدة المسترخية ، فلمّا لم يكن ثمّ فصل بين الحرفين ليتهيّأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدّة فتحسن اللفظة ، مهما كانت حركة الإعراب فيها ، نصبا أو رفعا أو جرّا . ولذلك أسقطها القرآن من نظمه بتّة ، على سعة ما بين أوّله وآخره . ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة ، كما في لفظة « الجبّ » وهي في وزنها ونطقها ، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة . وكذلك لفظة « الكوب » استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة ، لأنّه لم يتهيّأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقّة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ « الأكواب » الذي هو جمع . و « الارجاء » لم يستعمل القرآن لفظها إلّا مجموعا ، وترك المفرد - وهو الرجا أي الجانب - لعلّة لفظه وأنه لا يسوغ في نظمه كما ترى . وعكس ذلك لفظة « الأرض » فإنها لم ترد فيه إلّا مفردة ، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه ، ولم يجيء « أرضون » لهذه الجسأة التي تدخل اللفظ ويختلّ بها النظم اختلالا . ومن الألفاظ لفظة « الآجر » وليس فيها من خفّة التركيب إلّا الهمزة وسائرها نافر متقلقل . ولفظ مرادفها « القرمد » وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما ، أمّا القرآن فلم يستعملهما ولكنه اخرج معناهما بألطف عبارة وأرقّها وأعذبها ، وساقها في بيان مكشوف ، وذلك في قوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً « 1 » . فعبّر عن الآجر بقوله : « فأوقد لي يا هامان على

--> ( 1 ) القصص : 38 .